الغزالي
164
فضائح الباطنية
دولته ، ويتدينون باعتقاد خلافته وإمامته ووجوب طاعته ، كما يتدينون بوجوب أوامر الله وبتصديق رسله في رسالته ، فهذه نجدة لم يثبت مثلها لغيره ، فكيف يتمارى في نجدته ؟ فإن قيل : كيف تحصل نجدته بهم وإنا نراهم يتهجمون على مخالفة أوامره ونواهيه ، ويتعدون الحدود المرسومة لهم فيه ، وإنما تحصل الشوكة بمن يتردد تحت الطاعة على حسب الاستطاعة ؛ وهؤلاء في حركاتهم لا يترددون إلا خلف شهواتهم ؛ وإذا هاج لهم غضب أو حركتهم شهوة أو أوغر صدورهم ضغينة لم يبالوا بالاتّباع ولم يعرفوا إلا الرجوع إلى ما جبلوا عليه من طباع السباع ، فكيف تقوم الشوكة بهم ؟ قلنا : هذا سؤال في غاية الركاكة ، فإن الطاعة المشروطة في حق الخلق لقيام شوكة الإمام لا تزيد على الطاعة المشروطة على الأرقاء والعبيد في حق ساداتهم ، ولا على الطاعة المفروضة على المكلّفين لله ورسوله ، وأحوال العبيد في طاعة سيدهم وأحوال العباد في طاعة ربهم لا تنفكّ عن الانقسام إلى موافقة ومخالفة . فلما انقسم المكلّفون إلى المطيعين والعصاة ، ولم ينسلخوا به عن إهاب الإسلام ، ولا انسلّوا به عن ربقته ما داموا معتقدين أن الطاعة لله مفروضة وأن المخالفة محرّمة ومكروهة ، فهذا حال الجدّ في الطاعة لصاحب الأمر ، فإنهم وإن خالفوا أمرا من الأوامر الواجبة الطاعة اعتقدوا المخالفة إساءة والموافقة حسنة ، ولذلك تراهم لا يغيرون العقيدة عن الموالاة ولو قطعوا إربا ، وما من شخص يقدر مخالفته في أمر من الأمور إلا وهو بعينه إذا انتهى إلى العتبة الشريفة صفع على الأرض خاضعا وعفّر خده في التراب متواضعا ، ووقف وقوف أذلّ العبيد على بابه ، وانتهض ماثلا على رجليه عند سماع خطابه ، ولو نبغت نابغة في طرف من أطراف الأرض على معاداة هذه الدولة الزاهرة لم يكن فيهم أحد إلا ويرى النضال دون حوزتها جهادا في سبيل الله نازلا منزلة جهاد الكفار ، فأية طاعة في عالم الله تزيد على هذه الطاعة ! وأية شوكة في الدنيا تقابل هذه الشوكة ! وليت شعري لم لا يتذكر